العيني

71

عمدة القاري

قال شيخنا في شرح الترمذي ثم قال : هذا عند جمهور العلماء ، وهو قول مالك والشافعي وأحمد . وفيه حجة على أبي حنيفة وغيره من العراقيين حيث : قالوا : الركاز هو المعدن وجعلوهما لفظين مترادفين . وقد عطف الشارع أحدهما على الآخر ، وذكر لهذا حكماً غير الحكم الذي ذكره في الأول . انتهى . قلت : المعدن هو الركاز ، فلما أراد أن يذكر له حكماً آخر ذكره بالاسم الآخر وهو : الركاز ، ولو قال : وفيه الخمس بدون أن يقول : وفي الركاز الخمس لحصل الالتباس باحتمال عود الضمير إلى البئر ، وقد أورد أبو عمر في التمهيد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن عبد الله بن عمر وقال النبي صلى الله عليه وسلم في كنز وجده رجل : إن كنت وجدته في قرية مسكونة ، أو في غير سبيل ، أو في سبيل ميتاء فعرفه ، وإن كنت وجدته في خربة جاهلية أو في قرية غير مسكونة أو في غير سبيل ميتاء ، ففيه وفي الركاز الخمس . وقال القاضي عياض : وعطف الركاز على الكنز دليل على أن الركاز غير الكنز وأنه المعدن كما يقوله أهل العراق ، فهو حجة لمخالف الشافعي . وقال الخطابي : الركاز وجهان : فالمال الذي يوجد مدفوناً لا يعلم له مالك ركاز ، وعروق الذهب والفضة ركاز . قلت : وعن هذا قال صاحب الهداية الركاز يطلق على المعدن وعلى المال المدفون . وقال أبو عبيد الهروي : اختلف في تفسير الركاز أهل العراق وأهل الحجاز ، فقال أهل العراق : هي المعادن ، وقال أهل الحجاز : هي كنوز أهل الجاهلية ، وكلٌّ محتمل في اللغة ، والأصل فيه قولهم : ركز في الأرض إذا ثبت أصله . 29 ( ( بابٌ العَجْماءُ جُبارٌ ) ) أي : هذا باب يذكر فيه العجماء جبار ، وإنما أعاد ذكر هذا بترجمة أخرى لما فيها من التفاريع الزائدة على البئر والمعدن . وقال ابنُ سِيرينَ : كانُوا لا يُضَمِّنُونَ مِنَ النّفْحَة ويُضَمِّنُونَ مِنْ ردِّ العنانِ . أي : قال محمد بن سيرين : كانوا ، أي : العلماء من الصحابة والتابعين لا يضمنون بالتشديد من التضمين من النفحة بفتح النون وسكون الفاء وبالحاء المهملة وهي الضربة بالرجل ، يقال : نفحت الدابة إذا ضربت برجلها ، ويضمنون من رد العنان بكسر العين المهملة وتخفيف النون وهو ما يوضع في فم الدابة ليصرفها الراكب لما يختار ، وذلك لأن في الأول لا يمكنه التحفظ بخلاف الثاني ، وهذا التعليق وصله سعيد بن منصور عن هشيم : حدثنا ابن عون عن محمد بن سيرين . وقال حَمَّادٌ : لا تُضْمَنُ النّفْحَةُ إلاّ أنْ يَنْخُسَ إنْسانٌ الدَّابَّةَ . أي : قال حماد بن أبي سليمان الأشعري : واسم أبي سليمان مسلم . قوله : لا تضمن على صيغة المجهول ، والنفحة مرفوع به لأنه مفعول قام مقام الفاعل . قوله : إلاَّ أن ينخس بضم الخاء المعجمة وفتحها وكسرها من النخس ، وهو غرز مؤخر الدابة أو جنبها بعود ونحوه . وقال شُرَيْحٌ : لا تُضْمَنُ ما عاقَبَ أنْ يَضْرِبَها فَتَضْرِبَ بِرِجْلِها . أي : قال شريح بن الحارث الكندي القاضي المشهور . قوله : ما عاقب ، يروى بالتذكير والتأنيث ، فالمعنى على التذكير لا يضمن ضارب الدابة ما دام في تعاقبها بالضرب ، وهي أيضاً تضرب برجلها على سبيل المعاقبة أي : المكافأة منها ، وأما على معنى التأنيث فقوله : لا تضمن ، أي : الدابة بإسناد الضمان إليها مجازاً ، والمراد ضاربها . قوله : أن يضربها قال الكرماني : أن يضربها فتضرب برجلها إما مجرور بجار مقدر أي : بأن يضربها ، أو مرفوع خبر مبتدأ محذوف أي : بأن يضربها ، أو مرفوع خبر مبتدأ محذوف أي : وهو أن يضربها ، وفي قول شريح هذا قلاقة قل من يفسرها كما ينبغي ، وأثره هذا وصله ابن أبي شيبة من طريق محمد بن سيرين عن شريح ، قال : يضمن السائق والراكب ولا تضمن الدابة إذا عاقبت . قلت : وما عاقبت . قال إذا ضربها رجل فأصابته .